فخر الدين الرازي
193
تفسير الرازي
يوسف عليه السلام : * ( وقال يا أسفى على يوسف ) * وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف عند هذه الواقعة لوجوه : الوجه الأول : أن الحزن الجديد يقوي الحزن القديم الكامن والقدح إذا وقع على القدح كان أوجع وقال متمم بن نويرة : وقد لامني عند القبور على البكا * رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقال أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقلت له إن الأسى يبعث الأسى * فدعني فهذا كله قبر مالك وذلك لأنه إذا رأى قبراً فتجدد حزنه على أخيه مالك فلاموه عليه ، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى . وقال آخر : فلم تنسني أو في المصيبات بعده * ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع والوجه الثاني : أن بنيامين ويوسف كانا من أم واحدة وكانت المشابهة بينهما في الصورة والصفة أكمل ، فكان يعقوب عليه السلام يتسلى برؤيته عن رؤية يوسف عليه السلام ، فلما وقع ما وقع زال ما يوجب السلوة فعظم الألم والوجد . الوجه الثالث : أن المصيبة في يوسف كانت أصل مصائبه التي عليها ترتب سائر المصائب والرزايا ، وكان الأسف عليه أسفاً على الكل . الرابع : أن هذه المصائب الجديدة كانت أسبابها جارية مجرى الأمور التي يمكن معرفتها والبحث عنها . وأما واقعة يوسف فهو عليه السلام كان يعلم كذبهم في السبب الذي ذكروه ، وأما السبب الحقيقي فما كان معلوماً له ، وأيضاً أنه عليه السلام كان يعلم أن هؤلاء في الحياة وأما يوسف فما كان يعلم أنه حي أو ميت ، فلهذه الأسباب عظم وجده على مفارقته وقويت مصيبته على الجهل بحاله . المسألة الثانية : من الجهال من عاب يعقوب عليه السلام على قوله : * ( يا أسفى على يوسف ) * قال : لأن هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية من الله وأنه لا يجوز ، والعلماء بينوا أنه ليس الأمر كما ظنه هذا الجاهل ، وتقريره أنه عليه السلام لم يذكر هذه الكلمة ثم عظم بكاؤه ، وهو المراد من قوله : * ( وابيضت عيناه من الحزن ) * ثم أمسك لسانه عن النياحة ، وذكر مالا ينبغي ، وهو المراد من قوله : * ( فهو كظيم ) * ثم إنه ما أظهر الشكاية مع أحد من الخلق بدليل قوله : * ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) * وكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت محنته فإنه صبر وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية فلا جرم استوجب به المدح العظيم والثناء العظيم . روي أن يوسف عليه السلام سأل جبريل